ابن عجيبة

428

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 32 ] يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 32 ) يقول الحق جل جلاله : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ أي : لستن كجماعة من جماعات النساء ، أي : إذا تقصيت أمة النساء ، جماعة جماعة ، لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل ، فكما أنه - عليه الصلاة والسلام - ليس كأحد من الرجال ، كما قال : « إني لست كأحدكم . . . » « 1 » ، كذلك زوجاته التي شرفن به . وأصل « أحد » : وحد ، بمعنى : واحد ، فوضع في النفي العامّ ، مستويا فيه المذكّر والمؤنث ، والواحد وما وراءه ، أي : لستن في الشرف كأحد من النساء ، إِنِ اتَّقَيْتُنَّ مخالفة اللّه ورضا رسوله ، فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ أي : إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب ، فلا تجئنّ بقولكنّ خاضعا ، أي : لينا خنثا مثل قول المريبات ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ؛ ريبة ، وفجور ، وهو جواب النهى ، وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً ؛ حسنا مع كونه خشينا . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 33 إلى 34 ] وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ( 33 ) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً ( 34 ) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ أي : استكن فيه ، والزمن بيوتكن من غير خروج . وقرأ نافع وعاصم بالفتح ، وهو من : قرر يقرر ، لغة في قرّ بالمكان ، وأصله : اقررن ، فحذفت الراء ، تخفيفا ، وألقيت فتحتها على ما قبلها . وقيل : من : قار يقار : إذا اجتمع . والباقون بالكسر ، من : قرّ بالمكان يقرّ - بالكسر ، وأصله : اقررن ، فنقلت كسرة الراء إلى القاف ، وحذفت الراء . وقيل : من : وقر يقر وقارا . وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى أي : لا تتبخترن في المشي تبختر أهل الجاهلية ، فالتبرج : التبختر في المشي وإظهار الزينة ، أي : ولا تبرجن تبرجا مثل تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى أي : القديمة ، وهو الزمان الذي ولد فيه إبراهيم عليه السّلام ، فكانت المرأة تتخذ فيه الدرع من اللؤلؤ ، وتعرض نفسها على الرجال ، زمان نمرود الجبار ، والناس كلهم كفار . أو : ما بين آدم ونوح - عليهما السلام - ثمانمائة سنة . وكان نساؤهم أقبح ما يكون ، ورجالهم حسان ، فتريده المرأة على نفسها . أو : زمن داود وسليمان - عليهما السلام - ، وكان للمرأة قميص من الدّر ، غير

--> ( 1 ) بعض حديث شريف ، لفظه كاملا : « إني لست كهيئتكم ، إني أطعم وأسقى » أخرجه مسلم في ( الصيام ، باب النهى عن الوصال في الصوم ، 2 / 774 ، ح 1102 ) من حديث سيدنا عبد اللّه ابن عمر رضي اللّه عنه .